ولادة القلب [الولادة الثانية]
صدق التأهب للقاء الله
من أنفع ما للعبد و أبلغه في حصول إستقامته , فإن من أستعد للقاء الله
انقطع قلبه عن الدنيا و ما فيها و مطالبها , وحمدت من نفسه نيران الشهوات و أخبت
قلبه الى ربه تعالى وعكفت همته على الله
و على محبته و إيثار مرضاته , و استحدثت همة أخرى و علوما ً أخر و ولد ولادة أخرى
تكون نسبة قلبه فيها الى الدار الآخرة كنسبة جسمه الى هذه الدار بعد أن كان في بطن
أمه فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة , و كما كان بطن أمه حجابا ُ
لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه و هواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة , فخروج قلبه عن
نفسه بارزا ً الى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزا ً الى هذه الدار ,
و هذا معنى ما يُذكر عن المسيح
أنه قال : ) يا
بنى إسرائيل , إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تلدوا مرتين
( و لما كان أكثر الناس لم يلدوا هذه الولادة
الثانية و لا تصورها فضلا ً عن أن يصدقوا بها – فيقول
القائل : كيف يولد الرجل الكبير أم كيف يولد القلب , لم يكن
لهم إليها همة و لا عزيمة , إذا ً كيف يعزم على الشئ من لا يعرفه و لا يصدقه ؟ و
لكن إذا كشف حجاب الغفلة عن القلب صدّق بذلك و علم أنه لم يولد قلبه بعد و المقصود
أن صدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة
و الاحوال الإيمانية و مقامات السالكين الى الله
و منازل السائرين إليه , من اليقظة و التوبة و الإنابة و المحبة و الرجاء و الخشية
و التفويض و التسليم و سائر أعمال القلوب و الجوارح , فمفتاح ذلك كله صدق التأهب و
الإستعداد للقاء الله و المفتاح بيد الفتاح العليم
لا إله غيره و لا رب سواه .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق